عثمان بن سعيد الدارمي
125
الرد على الجهمية
يكفر به عندها كافر ، ولا عصاه عاص ، ولكنه احتجب عنهم في الدنيا ، ودعاهم إلى الإيمان به بالغيب ، وإلى معرفته والإقرار بربوبيته ، ليؤمن به من قد سبقت له منه السعادة ، ويحق القول على الكافرين . ولو قد تجلى لهم لآمن به من في الأرض كلهم جميعا بغير رسل ولا كتب ولا دعاة ، ولم يعصوه طرفة عين . فإذا كان يوم القيامة تجلى لمن آمن به وصدّق رسله وكتبه وآمن برؤيته ، وأقرّ بصفاته التي وصف بها نفسه ، حتى يروه عيانا ، مثوبة منهم لهم وإكراما ، ليزدادوا بالنظر إلى من عبدوه بالغيب نعيما ، وبرؤيته فرحا واغتباطا ، ولم يحرموا رؤيته في الدنيا والآخرة جميعا ، وحجب عنه الكفار يومئذ إذ حرموا رؤيته كما حرموها في الدنيا ليزدادوا « 1 » حسرة وثبورا . 208 - فاحتج محتجّ منهم بقول اللّه تعالى لموسى : لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] ، قلنا : هذا لنا عليكم ، لا لكم ، إنما قال : لَنْ تَرانِي في الدنيا ، لأنّ بصر موسى من الأبصار التي كتب اللّه عليها الفناء في الدنيا ، فلا تحمل النظر إلى نور البقاء ، فإذا كان يوم القيامة ركّبت الأبصار والأسماع للبقاء ، فاحتملت النظر إلى اللّه عز وجل بما طوّقها اللّه . ألا ترى أنه يقول : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ولو قد شاء لاستقر الجبل ورآه موسى ، ولكن سبقت منه الكلمة أن لا يراه أحد في الدنيا ، فلذلك قال : لَنْ تَرانِي . فأما في الآخرة فإن اللّه تعالى ينشئ خلقه ، فيركب أسماعهم وأبصارهم للبقاء ، فيراه أولياؤه جهرا ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
--> ( 1 ) في الأصل : « ليزداوا » .